لماذا تفشل محاولات التغيير قبل أن تبدأ؟
كم مرة سمعت داخل شركة جملة مثل: «الوضع يحتاج إعادة هيكلة» ثم بعدها بشهور زادت الفوضى بدل ما تقل؟ الغريب أن التغيير اللي يُفترض يكون علاجًا، غالبًا يُعامل كحالة طوارئ. قرارات سريعة، أدوار تتبدل، اجتماعات مكثفة، ثم شعور عام بعدم الأمان.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل المشكلة في التغيير نفسه؟ أم في طريقة دخولنا للتغيير؟
لماذا لا يعمل؟
الاعتقاد السائد في كثير من الشركات يقول: إعادة التنظيم = حركة قوية = قيادة حازمة
لكن الواقع يثبت العكس. التغيير السريع يعطي إحساسًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنه لا يعالج السبب الجذري للفوضى. لكنه أحيانًا ينقلها من مكان لمكان آخر.
أغلب محاولات إعادة الهيكلة تفشل لأنها تبدأ من الشكل:
تبديل مسميات
تغيير خطوط إدارية
دمج أو فصل فرق
بينما تتجاهل الجوهر:
كيف تُتخذ القرارات؟
كيف يتدفق العمل؟
من يملك الوضوح ومن يملك العبء؟
التغيير كأداة تنظيم
التغيير ليس حدثًا إداريًا. التغيير أداة تنظيمية إذا استُخدم بوعي. الفرق الجوهري بين التغيير الفوضوي والتغيير المنظّم هو النية الواضحة قبل الخطة. التغيير المنظم يطرح أسئلة قبل أن يعلن قرارات:
لماذا نغيّر الآن؟
ما المشكلة التي نحاول حلّها فعلًا؟
ما الذي لن نغيّره مهما حصل؟
عندما تكون هذه الأسئلة واضحة، يتحول التغيير من تهديد إلى مسار تطوير.
أمثلة ومقارنات واقعية
مثال 1: Microsoft
عندما تولّى ساتيا ناديلا القيادة، لم يبدأ بإعادة هيكلة سريعة.
بدأ بتغيير طريقة التفكير من ثقافة (نعرف كل شيء) إلى ثقافة (نتعلم دائمًا). الهيكلة جاءت لاحقًا، كترجمة لنظام ذهني جديد
فرق أكثر استقلالية
قرارات أقرب للمشكلة
وضوح في الأولويات
النتيجة؟ تنظيم مرن، وليس فوضى متحركة.
مثال 2: STC
شركة الاتصالات السعودية STC مرّت خلال السنوات الماضية بمرحلة تحوّل كبيرة. من شركة اتصالات تقليدية إلى مجموعة رقمية تضم خدمات تقنية، استثمارية، ومنصات رقمية. هذا التحوّل ما كان مجرد تغيير مسميات أو إضافة إدارات جديدة، لكنه إعادة تنظيم مبنية على نظام واضح:
فصل الأدوار التشغيلية عن الابتكار
إنشاء وحدات مستقلة (مثل stc solutions وstc pay)
وضوح في الصلاحيات واتخاذ القرار
ربط كل وحدة بهدف استراتيجي محدد
النتيجة؟
التغيير ما صار صدمة داخلية، لكنه انتقال تدريجي حافظ على الاستقرار وسمح بالنمو.
التغيير ينجح عندما يكون:
له نية مفهومة
وهيكل واضح
ونظام يسمح بالتحرّك بدون فوضى
أخطاء شائعة في التغيير المؤسسي
البدء بالخريطة التنظيمية قبل فهم تدفق العمل
إخفاء النية الحقيقية للتغيير خوفًا من ردّة فعل الفريق
اعتبار مقاومة الموظفين (عنادًا) بدل كونها مؤشر غموض
تحميل القادة الوسط مسؤولية تنفيذ قرارات لم يشاركوا في فهمها
هذه الأخطاء لا تعني أن التغيير خطأ. لكن أن طريقة التغيير هي المشكلة.
3 خطوات تجعل التغيير أداة تطوير
1. اشرح ليش؟ قبل كيف؟
الفريق لا يحتاج تفاصيل الخطة أولًا، يحتاج سببها.
غياب السبب = خوف طبيعي.
2. غيّر النظام قبل الأشخاص
اسأل: هل المشكلة في الفرد؟ أم في الإجراء الذي يجبره يخطئ؟
3. نفّذ التغيير على مراحل واعية
التغيير التدريجي يسمح بالمراجعة والتصحيح.
التغيير المفاجئ يراكم القلق.
وفي الختام، التغيير بحد ذاته ليس فوضى. الفوضى تبدأ عندما يتحرك القرار أسرع من النظام. الشركات التي تنجح في التغيير لا تمتلك فرقًا خارقة، لكنها تمتلك وضوح نية، ونظام عمل، وقيادة تشرح قبل أن تطلب عندها يصبح التغيير فرصة لإعادة التنظيم، لا سببًا لانهياره.


