وكيف يخدعنا تنظيم المهام
كم مرة حسّيت إن المشكلة في شغلك واضحة لكن الحل دائمًا يجي من مكان غلط؟ تأخير؟ نضيف أداة. فوضى؟ نغيّر تطبيق. ضغط؟ نحمّل الفريق نظام جديد. نشتغل أكثر، نتابع أكثر، ننظّم أكثر. لكن بعد فترة قصيرة، ترجع نفس المشاكل بشكل أهدأ، أرتب، وأقل إزعاجًا لكنها ما اختفت.
السؤال: ليش الأدوات ما تنجح؟
السؤال الأعمق: ليش نعتقد إن الأداة أصلًا هي الحل؟
المشكلة في الأداة
الاعتقاد السائد في أغلب الشركات بسيط جدًا: لو استخدمنا الأداة الصح كل شيء بينضبط.
فنقارن بين:
Trello / Notion
Asana / ClickUp
CRM بأنواعه
وكأن المشكلة تقنية، وكأن الفوضى سببها نقص خيارات. لكن الواقع يقول شيء مختلف تمامًا: الشركات ما تتعب من نقص الأدوات، تتعب من غياب طريقة واضحة للتفكير والعمل. الأداة تنظّم الموجود. لكنها لا تسأل: هل هذا الشيء يستاهل يكون موجود أصلًا؟
الفرق بين إدارة المهام وإدارة النظام
هنا يبدأ التحول الحقيقي في الفهم.
إدارة المهام
مفيدة لكنها سطحية. تركّز على:
ماذا نعمل؟
متى ننجز؟
من المسؤول؟
إدارة النظام
تركّز على:
لماذا نعمل هذا أصلًا؟
كيف ترتبط المهام بالهدف؟
متى نراجع ونوقف أو نعدّل؟
إدارة المهام تشغّلك. إدارة النظام توجّهك. ولهذا كثير فرق (منشغلة جدًا) لكن تقدمها بطيء أو شبه معدوم.
لماذا التفكير النظامي يقلل المهام بدل زيادتها؟
الخطأ الشائع أن الناس تعتقد:
النظام = تعقيد أكثر + إجراءات أكثر + متابعة أكثر
لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. التفكير النظامي يسأل قبل إضافة أي مهمة:
هل هذه تخدم هدفًا واضحًا؟
هل يمكن دمجها أو حذفها؟
هل نتيجتها قابلة للقياس؟
ومع الوقت يحصل شيء غريب: عدد المهام يقل، والاجتماعات تقل. والضغط الذهني يخف. لأن النظام الجيد: يمنع تكرار الشغل، ويقلل القرارات اليومية، ويوضّح الأولويات تلقائيًا
النظام ما يزيد الشغل. النظام يمنع الشغل غير الضروري.
نفس الأداة ولكن نتائج متعاكسة
تخيّل شركتين تستخدمان نفس الأداة (مثلاً Notion):
الشركة الأولى
كل فريق يكتب بطريقته
لا طريقة واضح للمتابعة
المهام تُسجّل لكن لا تُراجع
النظام يتضخم
النتيجة: واجهة جميلة، وفوضى مرتبة.
الشركة الثانية
الهدف واضح
كل صفحة تخدم قرار أو نتيجة
مراجعة أسبوعية ثابتة
حذف مستمر لما لا يخدم الاتجاه
النتيجة: نفس الأداة، لكن شغل أهدأ، قرارات أسرع، وتقدم ملحوظ. الفرق ما كان في الأداة. كان في طريقة التفكير.
أخطاء شائعة تقع فيها الشركات
اختيار الأداة قبل تحديد المشكلة
تحميل الفريق نظام بدون شرح
قياس النشاط بدل قياس الأثر
عدم وجود لحظة مراجعة حقيقية
الخلط بين التنظيم والتقدم
كل هذه الأخطاء ترجع لنقطة واحدة: غياب النظام العقلي قبل النظام التقني.
ماذا تفعل الآن؟
قبل ما تغيّر أداة، أو تضيف واحدة جديدة، جرّب هذا التمرين البسيط: اسأل نفسك (أو فريقك):
ما النتيجة الأهم اللي نحتاجها الآن؟
ما أقل عدد مهام يوصلنا لها؟
ما الشيء اللي لو توقف ما راح يتأثر الهدف؟
متى آخر مرة راجعنا طريقة عملنا، ما هو أدواتنا؟
لو ما قدرت تجاوب بوضوح، الأداة الجديدة ما راح تنقذك. ابدأ بتوضيح النظام، ثم اختر الأداة اللي تخدمه، ما تقوده.
وفي الختام النظام ليس ملفًا، ولا لوحة، ولا تطبيقًا ذكيًا. النظام هو:
رؤية: نعرف وين رايحين
عملية: نعرف كيف نتحرك
مراجعة مستمرة: نعرف متى نغيّر الاتجاه
الأدوات تغيّر الشكل. لكن النظام يغيّر المسار. وفي النهاية،الشركات الناجحة ما تبحث عن أداة أقوى، تبحث عن تفكير أوضح. لأن الأداة تخلّص يومك لكن النظام يغيّر مستقبلك.


