العمل بدون نظام: كيف يقتل الجهد دون أن تشعر؟
في شركات كثيرة، المشهد يتكرر بشكل محيّر: الناس تداوم، تشتغل، تجتمع، تتابع، وتتحرك طول اليوم ثم في نهاية الشهر تسأل سؤال بسيط وخطير (أيش تغيّر فعلاً؟)
هنا تبدأ المفارقة:
قد يكون عندك فريق مجتهد، ونشاط عالي، وحتى نية صادقة للتقدم لكن النتيجة ما تعكس هذا كله. ليس لأنهم ما يشتغلون لكن لأنهم يشتغلون بدون نظام. والعمل بدون نظام يشبه صبّ الماء في سلة تسوق مثقوبة. الجهد موجود، لكن ما فيه تقدم.
معتقدات شائعة
الاعتقاد الشائع داخل كثير من الشركات يقول:
نحتاج نشتغل أكثر.
نحتاج ناس أكثر.
نحتاج ضغط أكثر.
نحتاج أهداف أعلى.
وهذا الاعتقاد مفهوم لأنه يبدو منطقيًا: إذا ما تقدّمنا، خلّنا نزيد الجهد. لكن المشكلة أن زيادة الجهد غالبًا تحلّ شيئًا واحدًا فقط: الشعور بالذنب. وتترك المشكلة الأصلية كما هي. لأنك إذا زدت الجهد فوق طريقة عمل غير منظمة، فأنت لا تزيد التقدم أنت تزيد من التشتت.
أحيانًا أكثر فرق تحتاجه شركتك ليس المزيد من العمل… بل طريقة عمل تُحوّل العمل إلى نتيجة.
النشاط ≠ التقدم
النشاط هو:
اجتماعات كثيرة
مهام كثيرة
رسائل كثيرة
ملفات كثيرة
متابعة مستمرة
أما التقدم فهو:
مشكلة انحلت
تجربة عميل تحسنت
قرار اتخذ وطبّق
مخرجات واضحة تراكمت
نظام صار أخف وأسهل وأوضح
النشاط يمكن أن يحدث بدون تقدم. لكن التقدم لا يحدث غالبًا بدون نظام.
ما هو النظام هنا؟
النظام ليس أدوات. ما هو لازم Notion ولا Kanban ولا ERP.
النظام هو اتفاق واضح داخل الشركة عن:
ما النتائج التي نريدها؟
كيف نُحوّل العمل اليومي لهذه النتائج؟
كيف نعرف أننا نتقدم؟
من يقرر؟ ومن ينفّذ؟ ومتى؟
وكيف نتعلم من تكرار الأخطاء؟
إذا ما كان عندك هذه العناصر فالمجهود سيظل يشتعل يوميًا، ثم ينطفئ بدون أثر.
مثال 1: اجتماع أسبوعي للمتابعة بدون قرار
تجتمعون ساعة كاملة. تراجعون كل شيء. تتكلمون عن كل شيء. وتخرجون بدون قرار واضح، ولا خطوة محددة، ولا مسؤولية صريحة. هذا ليس اجتماع متابعة هذا اجتماع تفريغ ضغط.
الخطأ هنا: أن الاجتماع صار نشاطًا بدل ما يكون نظام قرار.
الفرق البسيط:
اجتماع بدون قرار = دوران
اجتماع بقرار ومخرج واضح = تقدم
مثال 2: فريق قوي لكنه يعتمد على شخص واحد
فيه شخص (إذا حضر) مشت الأمور. وإذا غاب، تاهت المهام وتوقف الإيقاع.
هذا لا يعني أن الفريق ضعيف. هذا يعني أن النظام موجود في عقل شخص، ما هو موجود في طريقة الشركة.
الخطأ الشائع: ربط نجاح التشغيل بوجود أفراد بدل وجود عملية واضحة.
مثال 3: نفس المشكلة تتكرر كل شهر
تتكرر نفس الأخطاء:
تأخير تسليم
سوء تواصل
فهم مختلف للمهمة
تداخل صلاحيات
عميل يزعل من نفس النقطة
إذا المشكلة تتكرر فالمشكلة ليست في الأفراد فقط. المشكلة غالبًا في أن النظام لا يتعلم. الشركة التي عندها نظام حقيقي تسأل بعد كل تكرار: أيش اللي سمح للمشكلة إنها تتكرر؟ وتصلح السبب، مو العرض.
المقارنة المهمة: شركة تعمل vs شركة تُشغّل
هذا جوهر الفكرة اللي يلهمها كتاب The E-Myth Revisited (جيربر):
فيه فرق بين شركة تعيش على مجهود أصحابها، وبين شركة عندها تشغيل قابل للتكرار.
شركة تعمل: تعتمد على حماس الأفراد
شركة تُشغّل: تعتمد على وضوح النظام
الحماس ممتاز لكن الحماس ما يصنع الإنجاز المستمر.
ثلاث علامات تخبرك أن شركتك تتحرك ولا تتقدم
ما تقدر تشرح عملكم بثلاث جمل واضحة
المهام تكثر والنتائج ضبابية
الإنجاز مرتبط بأشخاص لا بعملية
هذه علامات نظام غير واضح حتى لو الفريق ممتاز.
التطبيق العملي ماذا تفعل الآن؟
الخطوة 1: عرّف “نتيجة واحدة” لهذه المرحلة
اكتب نتيجة قابلة للملاحظة مثل:
تقليل وقت تسليم الخدمة من 10 أيام إلى 6
رفع نسبة إغلاق العملاء من 12% إلى 18%
تقليل الأخطاء المتكررة في مرحلة X بنسبة واضحة
النتيجة هنا ليست رقم للزينة هي بوصلة تمنع العمل من التشتت.
الخطوة 2: اربط كل مهمة بالسؤال: كيف تخدم النتيجة؟
قبل أي مهمة، اسأل: هل هذه تقرّبنا من النتيجة؟ أم هي مجرد انشغال؟
لو ما لها علاقة إما تؤجلها أو تلغيها. أحيانًا أول تقدم حقيقي يبدأ بالحذف، وليس الإضافة.
الخطوة 3: اجعل العمل مرئيًا
حتى لوحة بسيطة (Kanban) تكشف:
أين يتكدس العمل
أين يتأخر القرار
من يحتاج دعم
وما الذي يتكرر
العمل غير المرئي يصعب تحسينه.
الخطوة 4: مراجعة أسبوعية للأثر لا للأنشطة
لا تسأل: أيش سوّينا؟ اسأل: أيش تحقق فعلاً؟
هذه المراجعة هي الفرق بين شركة تتعلم وشركة تعيد نفس الأسبوع كل مرة.
الخطوة 5: أغلق أي نشاط لا يملك أثرًا مباشرًا
هذه خطوة صعبة لكنها صادقة. النشاط اللي ما يترك أثرًا على النتيجة سيسرق وقتك حتى لو كان مريح ومعتاد.
وفي الختام العمل بدون نظام لا يدمّر الشركة فجأة هو ينهكها بهدوء. يخلق شعورًا دائمًا بأنكم على وشك التقدم ثم يترككم في نفس المكان مع تعب أكبر. والفكرة الأهم هنا ليست إدارية فقط هي إنسانية أيضًا: لأن الفريق لما يشتغل كثير بدون نتيجة، يبدأ يصدق أن المشكلة فيه. ثم يبدأ الإرهاق، ثم يفقد المعنى، ثم تقل المبادرة.
النظام ليس رفاهية. النظام هو احترام لوقت الناس واحترام للجهد واحترام للنتيجة. إذا تبغى سنة مختلفة لشركتك: لا تغيّر الأهداف فقط غيّر طريقة العمل اليومية التي تصنع تلك الأهداف.
إذا تبغى أساعدك تشخّص نظام شركتك بسرعة: اكتب لي في تعليق أو رسالة: أيش أكثر شيء يخليك تحس أنكم مشغولين بس واقفين؟


